ابن تيمية

96

مجموعة الفتاوى

بِالْحَقِّ وَإِنَّ السَّاعَةَ لَآتِيَةٌ فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ } { إنَّ رَبَّكَ هُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ } . وَبَعْضُ النَّاسِ يَظُنُّ أَنَّ قَوْلَهُ { هُوَ الْخَلَّاقُ } إشَارَةً إلَى أَنَّهُ خَالِقُ أَفْعَالِ الْعِبَادِ فَلَا يَنْبَغِي التَّشْدِيدُ فِي الْإِنْكَارِ عَلَيْهِمْ بَلْ يَصْفَحُ عَنْهُمْ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ لِأَجْلِ الْقَدَرِ وَهَذَا مِنْ أَعْظَمِ الْجَهْلِ فَإِنَّهُ سُبْحَانَهُ قَدْ عَاقَبَ الْمُخَالِفِينَ لَهُ وَلِرُسُلِهِ . وَغَضِبَ عَلَيْهِمْ وَأَمَرَ بِمُعَاقَبَتِهِمْ وَأَعَدَّ لَهُمْ مِن العَذَابِ مَا يُنَافِي قَوْلَ هَؤُلَاءِ الْمُعَطِّلِينَ لِأَمْرِهِ وَنَهْيِهِ وَوَعْدِهِ وَوَعِيدِهِ . وَقَوْلُهُ { فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ } تَعَلَّقَ بِمَا قَبْلَهُ وَهُوَ قَوْلُهُ { وَإِنَّ السَّاعَةَ لَآتِيَةٌ فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ } فَإِنَّ لَهُمْ مَوْعِداً يُجْزَوْنَ فِيهِ كَمَا قَالَ تَعَالَى فِي نَظَائِرِ ذَلِكَ : { فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ } { فَذَكِّرْ إنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ } { لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُسَيْطِرٍ } { إلَّا مَنْ تَوَلَّى وَكَفَرَ } { فَيُعَذِّبُهُ اللَّهُ الْعَذَابَ الْأَكْبَرَ } { إنَّ إلَيْنَا إيَابَهُمْ } { ثُمَّ إنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ } وَقَوْلُهُ : { فَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّى حِينٍ } وَقَوْلُهُ { فَاصْفَحْ عَنْهُمْ وَقُلْ سَلَامٌ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ } وَلَمْ يَعْذُرْ اللَّهُ أَحَداً قَطُّ بِالْقَدَرِ وَلَوْ عَذَرَ بِهِ لَكَانَ أَنْبِيَاؤُهُ وَأَوْلِيَاؤُهُ أَحَقَّ بِذَلِكَ وَآدَمُ إنَّمَا حَجَّ مُوسَى لِأَنَّهُ لَامَهُ عَلَى الْمُصِيبَةِ الَّتِي أَصَابَتْ الذُّرِّيَّةَ فَقَالَ لَهُ : لِمَاذَا أَخَرَجْتنَا وَنَفْسَك مِن الجَنَّةِ ؟ وَمَا أَصَابَ الْعَبْدُ مِن المَصَائِبِ فَعَلَيْهِ أَنْ يُسَلِّمَ فِيهَا لِلَّهِ وَيَعْلَمَ أَنَّهَا مُقَدَّرَةٌ عَلَيْهِ كَمَا قَالَ